الغزالي
167
إحياء علوم الدين
في التهجد ، فالأولى أن يقسم طعامه نصفين . فإن كان رغيفين مثلا ، أكل رغيفا عند الفطر ورغيفا عند السحر ، لتسكن نفسه ، ويخف بدنه عند التهجد . ولا يشتد بالنهار رجوعه لأجل التسخر ، فيستعين بالرغيف الأول على التهجد ، وبالثاني على الصوم . ومن كان يصوم يوما ويفطر يوما ، فلا بأس أن يأكل كل يوم فطره وقت الظهر ، ويوم صومه وقت السحر فهذه الطرق في مواقيت الأكل وتباعده وتقاربه . الوظيفة الثالثة : في نوع الطعام ، وترك الأدام . وأعلى الطعام مخ البر . فإن نخل فهو غاية الترفه . وأوسطه شعير منخول . وأدناه شعير لم ينخل وأعلى الأدم اللحم والحلاوة وأدناه الملح والخل . وأوسطه المزورات بالأدهان من غير لحم وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الأدام على الدوام ، بل الامتناع عن الشهوات فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان فأكله ، اقتضى ذلك بطرا في نفسه ، وقسوة في قلبه ، وأنسا له بلذات الدنيا ، حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى . وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنا له . وإذا منع نفسه عن شهواتها ، وضيق عليها ، وحرمها لذاتها ، صارت الدنيا سجنا عليه ، ومضيقا له ، فاشتهت نفسه الإفلات منها ، فيكون الموت إطلاقها وإليه الإشارة بقول يحيى بن معاد حيث قال : معاشر الصديقين ، جوّعوا أنفسكم لوليمة الفردوس ، فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس فكل ما ذكرناه من آفات الشبع فإنه يجرى في كل الشهوات ، وتناول اللذات . فلا نطول بإعادته . فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ، ويعظم الخطر في تناولها ، حتى قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « شرار أمّتى الَّذين يأكلون مخّ الحنطة » وهذا ليس بتحريم ، بل هو مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ، ومن داوم عليه أيضا فلا يعصى بتناوله ، ولكن تتربى نفسه بالنعيم ، فتأنس بالدنيا ، وتألف اللذات ، وتسعى في طلبها ، فيجرها ذلك إلى المعاصي . فهم شرار الأمة ، لأن مخ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور ، تلك الأمور معاص .